فخر الدين الرازي
208
تفسير الرازي
والقول الرابع : المراد منه النهي عن الكذب . قال قتادة : لا تقل سمعت ولم تسمع ورأيت ولم تر وعلمت ولم تعلم . والقول الخامس : أن القفو هو البهت وأصله من القفا ، كأنه قول يقال خلفه وهو في معنى الغيبة وهو ذكر الرجل في غيبته بما يسوءه . وفي بعض الأخبار من قفا مسلماً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال ، واعلم أن اللفظ عام يتناول الكل فلا معنى للتقليد والله أعلم . المسألة الثانية : احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : القياس لا يفيد إلا الظن والظن مغاير للعلم ، فالحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم ، فوجب أن لا يجوز لقوله تعالى : * ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) * . أجيب عنه من وجوه : الأول : أن الحكم في الدين بمجرد الظن جائز بإجماع الأمة في صور كثيرة : أحدها : أن العمل بالفتوى عمل بالظن وهو جائز . وثانيها : العمل بالشهادة عمل بالظن وأنه جائز . وثالثها : الاجتهاد في طلب القبلة لا يفيد إلا الظن وأنه جائز . ورابعها : قيم المتلفات وأروش الجنايات لا سبيل إليها إلا بالظن وأنه جائز . وخامسها : الفصد والحجامة وسائر المعالجات بناء على الظن وأنه جائز . وسادسها : كون هذه الذبيحة ذبيحة للمسلم مظنون لا معلوم ، وبناء الحكم عليه جائز . وسابعها : قال تعالى : * ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ) * ( النساء : 35 ) وحصول ذلك الشقاق مظنون لا معلوم . وثامنها : الحكم على الشخص المعين بكونه مؤمناً مظنون ثم نبني على هذا الظن أحكاماً كثيرة مثل حصول التوارث ومثل الدفن في مقابر المسلمين وغيرهما . وتاسعها : جميع الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار ، وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المخصوصة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة وبناء الأمر على تلك الظنون جائز . وعاشرها : قال عليه السلام : " نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر " وذلك تصريح بأن الظن معتبر في هذه الأنواع العشرة فبطل قول من يقول : إنه لا يجوز بناء الأمر على الظن . والجواب الثاني : أن الظن قد يسمى بالعلم . والدليل عليه قوله تعالى : * ( إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحونهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ) * ( الممتحنة : 10 ) ومن المعلوم أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على اقرارهن ، وذلك لا يفيد إلا الظن ، فههنا الله تعالى سمى الظن علماً . والجواب الثالث : أن الدليل القاطع لما دل على وجوب العمل بالقياس ، وكان ذلك الدليل دليلاً على أنه متى حصل ظن أن حكم الله في هذه السورة يساوي حكمه في محل النص ،